الناقدة السينمائية جميلة عناب: المعنى السينمائي يولد من التماس بين الفيلم والمتلقي
تطرح الباحثة والناقدة السينمائية جميلة عناب رؤية عميقة للسينما تتجاوز كونها مجرد منتج بصري، لتصبح خطاباً مركباً وجهازاً للمعنى وخبرة عاطفية تتخطى حدود اللغة التقليدية.
السينما كوسيط عاطفي ومعرفي
تؤكد عناب أن الفيلم السينمائي يتيح إمكانات أرحب على مستوى اللغة والجماليات، باعتباره وسيطاً عاطفياً وترجمة فنية لدهشة الفكر، وآلية لإنتاج دورات فكرية وإبداعية جديدة غير محصورة بنموذج جمالي ثابت.
وتشير الباحثة إلى أن الطبيعة الخاصة للمعطى الفيلمي تشترك مع الإبداعات الحكائية المكتوبة في خاصيتين: تكوين بنيته اللغوية من نفس المكون اللغوي الطبيعي السمعي والبصري، ووجود نفس المكونات الحكائية والسردية.
اللغة الفيلمية والتلقي
غير أن هذا التشابه لا يتيح التعامل مع اللغة الفيلمية كلغة طبيعية، حيث أن الفيلم لا يمكن أن يتحقق إلا داخل بنية لغوية بصرية محضة تحكمها زوايا نظر وحركات ومحاور للكاميرا وتوضيب وسُلَّمية لقطات.
وتوضح عناب أن دراستها لم تستثن الجمهور العريض، بل انصب اهتمامها على المتلقي الفعلي الذي يرتاد قاعة العرض، لتعليل سبب إقباله على فيلم دون آخر ومعرفة ما إذا كان الفيلم يوافق انتظاراته أو يخيبها.
العتبات السينمائية ودورها
تشكل العتبات السينمائية، من عنوان وملصق ومتابعات صحافية، دروباً لاستكشاف العمل الفني السينمائي، وهي التي تحقق ما يُطلق عليه الأثر السينمائي. وقد هدفت الدراسة إلى إبراز كيفية اشتغال العتبات كنسق من العلامات الدالة التي يستثمرها المخرج لتأمين العبور إلى المتلقي المستهدف.
التحولات الرقمية وطقس المشاهدة
تناقش عناب التحولات الرقمية التي هزت تجربة التلقي وهددت طقس القاعة، مؤكدة أنه يستحيل محاكاة الطقس النموذجي للعرض السينمائي عبر الشاشات الصغيرة، حيث يضيع كثير من جهد المصور السينمائي عند نقل عمله إلى الشاشات الصغيرة.
السينما المغربية والتعدد الإبداعي
بخصوص السينما المغربية، تعتقد الباحثة أنه يمكن الحديث عن خطابات سينمائية مغربية متعددة بصيغة الجمع لا المفرد، حيث تتقاطع حول أسئلة الهوية والإنسان والذاكرة والجسد والهامش والتحولات الاجتماعية، رغم اختلاف شروط إنتاجها وأساليبها.
وترى أن هذا التعدد لا يضعف الخطاب السينمائي المغربي، بل يمنحه غناه ويجعله في حوار دائم مع السينما العالمية دون فقدان خصوصيته المحلية.
البحث الأكاديمي والصناعة السينمائية
تؤكد عناب أن البحث الأكاديمي لا يظل حبيس الفضاء الجامعي، وأن تأثيره تراكمي وبنيوي، يساهم في صياغة المفاهيم وإعادة التفكير في الممارسات السينمائية وتكوين أجيال من الطلبة والمهتمين.
وتطمح الباحثة إلى المساهمة في "حساسية جمالية جديدة" تجعل من السينما المغربية مختبراً معرفياً مفتوحاً على التجريب المستمر، لا موضوعاً تابعاً لنظريات لا تقوم على لغته ولا على خصوصيته.