الشمائل النبوية: منهج متكامل في الكرم والحياء والزهد
في ذكرى المولد النبوي الشريف، تتجلى سيرة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بوصفها المدرسة الكاملة في الرحمة والتواضع والكرم والعبادة وحسن المعاملة. فقد جمع الله له من المحاسن ما تآلفت به القلوب، واجتمعت عليه النفوس، ليظل هديه نورًا يهتدي به الناس في حياتهم وسلوكهم.
كمال خَلق النبي صلى الله عليه وسلم وهيئته
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أكمل الناس خَلقًا وخُلقًا، جمالًا في الصورة وكمالًا في السيرة. لم يكن بالطويل البائن ولا بالقصير، بل رَبعةً من القوم، حسن القامة، عريض الصدر، بعيد ما بين المنكبين، قوي البنية مع اعتدالها. وكان فخمًا مفخمًا، مشرق الوجه يتلألأ كالقمر ليلة البدر، واسع الجبين، أدعج العينين، كثَّ اللحية، أبيض اللون مشربًا بحمرة.
وكان يمشي بسكينة ووقار، خافض الطرف، يسبق الناس إلى السلام. من رآه أول مرة هابه، ومن عاشره أحبه، لما رأى من سماحته ولين جانبه. وكان خاتم النبوة ظاهرًا بين كتفيه علامةً على صدق رسالته، وشعرُه أسود معتدلًا، يعتني به تسريحًا وتطييبًا، ولم يكن في رأسه ولحيته إلا شيب يسير.
هديه صلى الله عليه وسلم في الطعام والشراب والعبادة والقرآن
كان النبي صلى الله عليه وسلم يسمي الله قبل الطعام، ويأكل بيمينه ومما يليه، ويحمد الله بعد فراغه، ويشرب على مهل، ويتنفس خارج الإناء. وكان يحب الحلواء والعسل، ويصوم إذا لم يجد طعامًا، جامعًا بين القناعة والشكر. كما كان يحث على التداوي، ويجمع بين التوكل على الله والأخذ بالأسباب.
وكان كلامه واضحًا موجزًا، يعيد الكلمة لتُفهم، ولا يتكلم إلا فيما ينفع، ويبدأ حديثه باسم الله. وإذا تلا القرآن قرأه قراءةً مرتلةً واضحة، يمد الحروف، ويقف عند رؤوس الآيات، فتبلغ كلماته القلوب قبل الآذان. وكان كثير البكاء من خشية الله، يُسمع لصدره أزيز في الصلاة، وتفيض عيناه عند سماع القرآن.
وكان كثير القيام بالليل، طويلَ الخشوع، شاكرًا لربه، محافظًا على السنن والنوافل، ويصوم الاثنين والخميس، وثلاثة أيام من كل شهر، ويكثر الصيام في شعبان.
أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم في الرحمة والتواضع
كان خلقه القرآن؛ دائمَ البشر، طلْق الوجه، ليّن الجانب، سهل المعشر، لا فظًّا ولا غليظًا، ولا فاحشًا ولا صخابًا. يعفو عمن ظلمه، ويصفح عمن أساء إليه، ولا ينتقم لنفسه، وإنما يغضب إذا انتهكت حرمات الله. وكان متواضعًا؛ يعود المرضى، ويشهد الجنائز، ويركب الحمار، ويجيب دعوة الفقير والغني، ويقبل الهدية مهما قلّت ويكافئ عليها.
وكان يتفقد أصحابه، ويسأل عن أحوالهم، ويؤلف بين القلوب، ويأمر بتبليغ حاجات الضعفاء. وكان مجلسه مجلس علم ورحمة، لا ترتفع فيه الأصوات، ولا يُذكر فيه أحد بسوء، ويوقر فيه الكبير، ويرحم الصغير، ويكرم صاحب الحاجة.
جوده وحياؤه وزهده صلى الله عليه وسلم
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس وأكرمهم، لا يدخر شيئًا لغد، ويرى الإنفاق قربة إلى الله، ولا يرد سائلًا، فإن لم يجد أعطى بالكلمة الطيبة ووعد بالإحسان. وكان أشدَّ حياءً من العذراء في خدرها، يؤثر التلميح على التصريح، ويعالج الأخطاء بأدب ولطف.
وعاش صلى الله عليه وسلم زاهدًا في الدنيا، مكتفيًا بالقليل، أكثر الناس شكرًا، وأعظمهم قناعةً، وأبعدهم عن الشكوى.
الشمائل النبوية منهجًا لبناء الإنسان
تمثل الشمائل النبوية منهجًا متكاملًا في بناء الإنسان، ودليلًا عمليًّا على عظمة أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم، وكونه القدوة والأسوة الحسنة. ففي كمال خَلقه وخُلقه، وجمال هيئته، وسمو عبادته، وحسن هديه، ورحمته وتواضعه وكرمه وحيائه وزهده، يتجلى النموذج الأكمل الذي دعا الله الناس إلى الاقتداء به.