استنزاف الذخائر الدقيقة الأمريكية في الحرب على إيران: تحديات إعادة التسليح
ما زالت الولايات المتحدة تمتلك أقوى جيش في العالم، غير أن التساؤلات تتزايد حول قدرتها على تعويض مخزونها من الذخائر الدقيقة التي استُنفد جزء كبير منها خلال عملياتها العسكرية ضد إيران. ويُجمع خبراء عسكريون على أن إعادة بناء هذا المخزون تتطلب شهوراً وربما سنوات، مما يطرح تساؤلات جوهرية حول جاهزية واشنطن لمواجهات مستقبلية، لا سيما في المحيط الهادئ.
ما حجم الذخائر الدقيقة التي استهلكتها الولايات المتحدة في الحرب على إيران؟
كشفت الحرب الأمريكية على إيران عن حجم الاستنزاف الكبير في الترسانة الأمريكية، حيث تشير أحدث تقديرات مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية إلى تراجع مخزون صواريخ «باتريوت» إلى أقل من ألف صاروخ، بينما أصبح مخزون «ثاد» في حدود 250 صاروخاً فقط. كما استخدم الجيش الأمريكي تقريباً كل ما كان متاحاً لديه من بعض الصواريخ الهجومية الدقيقة بعيدة المدى، فضلاً عن استنزاف طائرات «إم كيو ريبر» المستخدمة في مهام الاستطلاع فوق منطقة الخليج.
ويؤكد المحللون أن كل صاروخ أطلقته الولايات المتحدة في الشرق كان يقلل من قدرتها على مواجهة الصين، لأن هذه الذخائر لم تكن مصنوعة لحرب واحدة، بل كجزء من مخزون إستراتيجي تعتمد عليه واشنطن في الشرق الأوسط والمحيط الهادئ وأوروبا.
هل تستطيع الولايات المتحدة إعادة بناء مخزونها الإستراتيجي بسرعة؟
يرى الخبراء أن المشكلة ليست في الاستهلاك أو التكلفة، بل في الوقت المطلوب لإعادة بناء مخزون الذخائر، إذ قد يستغرق الأمر عامين كاملين. وعلى الرغم من منح الحكومة عقوداً لبعض الشركات لتصنيع هذه الذخائر، فإن توفير العمالة الماهرة وتوسيع قدرات المصانع على إنتاج الكميات المطلوبة لن يتم بسرعة، كما تقول سانثيا كوك، الزميلة الأولى بمركز الدراسات الإستراتيجية والدولية.
وفي هذا السياق، يرى المستشار السابق بوزارة الحرب الأمريكية، عمران بيومي، أن إيران بنت إستراتيجيتها على تكبيد الأمريكيين كلفة باهظة لصد هجمات قليلة التكلفة بالمسيرات والذخائر رخيصة الثمن. ويضيف أن حلفاء واشنطن الأوروبيين ينظرون إلى استهلاك هذه الذخائر الدقيقة باهتمام بالغ، ويرون أن الولايات المتحدة قد لا تستطيع الوفاء بالتزاماتها تجاههم مستقبلاً.
ما الخيارات المتاحة أمام الولايات المتحدة لمواجهة هذا الاستنزاف؟
يرى المسؤول السابق في وزارة الحرب الأمريكية، ديفيد دي روش، أن نوعية الضربات الأمريكية هي التي تحدد حجم استهلاك الذخائر، مشيراً إلى أن البنتاغون تعاقد بالفعل على إنتاج ألف صاروخ توماهوك خلال عام، بدلاً من 850 صاروخاً استُخدمت خلال الحرب. ويقول إن القوات الأمريكية يمكنها وقف استخدام صواريخ باتريوت الدقيقة حالياً والاعتماد على الذخائر حرة السقوط، بعدما ضربت كل الأهداف الدقيقة في إيران.
غير أن دي روش اعترف بعدم وجود إستراتيجية واضحة في هذه الحرب، وقال إن الولايات المتحدة اعتمدت بشكل كامل على قوتها الجوية لتحقيق أهدافها، واصفاً الأمر بالنموذج القاصر الذي تستخدمه العقلية الأمريكية أحياناً. كما انتقد كيفية تعامل واشنطن مع الحرب، التي انتهت بأنها باتت مخيّرة بين إنزال بري يتطلب عاماً لتجهيزه، أو رفع وتيرة القصف، أو الانسحاب، مؤكداً أن أفضل طريقة لتفادي الصواريخ والمسيرات الإيرانية هي ضربها على الأرض وليس التصدي لها بالصواريخ الاعتراضية، مما يعني الحاجة إلى ضربات أكثر قوة.
هل يشكل استنزاف الذخائر تهديداً للتفوق العسكري الأمريكي؟
لا يدور السؤال حالياً حول قدرة الولايات المتحدة على حسم المعركة الحالية، وإنما حول قدرة ترسانتها على تحمل معارك أخرى بعد تراجع مخزونها من الذخائر الدقيقة. فالحروب الحديثة لم تعد تُقاس بما تملكه الجيوش عند اليوم الأول من الحرب، وإنما بما يمكنها تصنيعه بعد شهرين أو ستة أشهر أو عام من اندلاعها، حتى لا يتحول الأمر إلى استنزاف قد ينتهي بهزيمة في نهاية المطاف.
ويبدو أن المواجهة الإيرانية تجاوزت كسر الإرادة والقوة العسكرية الأمريكية إلى ضرب مخزونها الإستراتيجي، وربما قدرتها على إعادة تسليح نفسها بما يضمن بقاءها في الحدود التي تراها آمنة. وفي هذا الإطار، يرى بيومي أن الجلوس على طاولة المفاوضات يبدو الحل الأمثل والأكثر واقعية لهذه الأزمة، خاصة مع تصاعد التكاليف وتزايد الضغوط على الجيش الأمريكي.
وتبقى هذه التطورات محل متابعة دقيقة من قبل المراقبين في المنطقة والعالم، إذ إن قدرة الولايات المتحدة على إعادة بناء قوتها العسكرية ستحدد بشكل كبير موازين القوى في السنوات المقبلة، لا سيما في ظل تنامي التحديات في المحيط الهادئ وأوروبا.