إصلاح منظومة الأدوية: حاجة ماسة لتأطير الإشهار الصحي
تحظى الصحة العامة في مجتمعاتنا بعناية فائقة مستمدة من تعاليم ديننا الحنيف الذي يحث على المحافظة على النفس، ومن هذا المنطلق تأتي الخطوات التشريعية الرامية إلى تحديث المنظومة الدوائية وتعزيز اختصاصات وكالات الأدوية والمنتجات الصحية كخطوة إيجابية نحو استكمال السيادة الوطنية وتطوير الصناعة المحلية. غير أن مشروع إصلاح مدونة الأدوية والصيدلة، رغم أهميته البالغة، أغفل معالجة إحدى أكثر القضايا ارتباطا بواقع السوق الإعلامية والرقمية، وهي مسألة الإشهار المرتبط بالمنتجات الصحية وشبه الصحية.
الغموض التشريعي يهدد حماية المستهلك
يرى نوفل الرغاي، المدير العام لجمعية الإذاعات والتلفزات المستقلة، أن الغموض القانوني الذي يحيط بمسؤوليات وسائل الإعلام وشروط الترخيص لبعض أشكال التواصل التجاري لا يخدم حماية المستهلك بالضرورة. فبدلا من أن يوفر هذا الغموض حماية للمجتمع، قد يدفع بحملات الإشهار نحو فضاءات رقمية أقل خضوعا للمراقبة والتتبع، مما يتعارض مع مبدأ الحفاظ على صحة المواطن والمقيم واستقرار المجتمع.
ويدعو الرغاي في مقال تحليلي إلى مقاربة أكثر وضوحا تميز بين ما يجب أن يظل ممنوعا شرعا وقانونا، وما يمكن تأطيره تشريعيا بما يحقق التوازن بين حماية الصحة العامة وضمان فعالية المراقبة وتنظيم السوق. ففي بيئات قانونية مقارنة، لا تترك المنطقة الرمادية للاجتهاد، بل يتم التمييز بوضوح بين ما هو ممنوع، وما يمكن الترخيص به، وما يخضع لتأشيرة مسبقة.
المنطقة الرمادية وتنظيم السوق
تكفي نظرة سريعة إلى القنوات الفضائية لرؤية إعلانات المكملات الغذائية ومستحضرات العناية بالبشرة والمنتجات الصحية. وعند العودة إلى الوسائط الإعلامية الوطنية، نجد غيابا شبه تام لهذه الحملات. هذا الغياب لا يعني انعدام السوق، بل يكشف حقيقة أخرى؛ ففي البلدان التي تتمتع بتشريعات واضحة، تستطيع وسائل الإعلام المنظمة بث هذا النوع من الحملات داخل قواعد واضحة. أما في السياق الحالي، فإن الوسائط الأكثر خضوعا للقانون تفضل الابتعاد بسبب غموض القواعد وتعقيد المساطر.
ولا أحد يطالب بفتح الباب أمام الإشهار الموجه للعموم فيما يخص الأدوية الخاضعة لوصفة طبية، فهذه الممنوعات يجب أن تبقى صارمة حفاظا على صحة الناس. لكن بين الممنوع والمسموح، توجد منطقة رمادية تشمل المكملات الغذائية ومستحضرات التجميل والمستلزمات الطبية، وهي منتجات تحتاج إلى تأطير واضح يحدد مسؤولية المعلن ووسيلة البث.
الفضاء الرقمي وتحديات السيادة الوطنية
حين تنسحب الوسائط الوطنية المنظمة، لا تختفي السوق، بل تنتقل إلى شبكات التواصل الاجتماعي والمؤثرين ومواقع البيع عن بعد. وفي هذه الفضاءات العابرة للحدود، يصبح تحديد المسؤول ومساءلة المخالف أمرا بالغ الصعوبة. إن وضوح الإطار القانوني يسمح بالمراقبة الفعالة، أما انتقال الرسائل الإشهارية نحو الفضاء الرقمي غير المراقب، فينتج عنه تتبع أقل ومسؤولية أضعف، مما يهدد السيادة الوطنية في تنظيم سوقها الداخلي.
ضرورة المشاورة وتفعيل الحكمة المؤسسية
كان مشروع القانون الجديد فرصة لتقدم حقيقي في هذا المجال. وقد قدمت تعديلات مهنية تهدف إلى التمييز بشكل أفضل بين فئات المنتجات، وتأمين مسؤولية وسائل الإعلام ووسائط البث بما يتوافق مع دورها الحقيقي في التحقق من التراخيص وحفظ الأدلة، فضلا عن تحديث مسطرة التأشيرة لتصبح أداة تنظيم حديثة تعتمد على الوضوح والشفافية.
ورغم أن الحكومة رفضت هذه التعديلات بحجة أن المشروع يركز أساسا على اليقظة الدوائية وأن إدراج مقتضيات الإشهار يحتاج إلى دراسة خاصة ومشاورة مسبقة، فإن هذا الموقف يؤكد أهمية الموضوع وتشعبه. ومما لا شك فيه أن حكمة مؤسساتنا الوطنية تتطلب التروي والمشاورة الواسعة، لكن هذا لا يعني تأجيل المعالجة الجذرية للإشكاليات التي تمس صحة المجتمع وأمنه الاقتصادي. فالمقترحات المقدمة لم تكن مبادرة معزولة، بل جاءت نتيجة عمل جماعي ومشاوري شارك فيه صناعيون ومهنيون.
وفي هذا السياق، توفر المؤسسات التشريعية فرصة لاستكمال التأطير القانوني بما يخدم المصلحة العليا للوطن. فالتأجيل مكلف قانونيا واقتصاديا وصحيا، خاصة حين تنتقل الميزانيات والمعطيات إلى وسطاء عابرين للحدود. إن الصحة العامة لا تربح شيئا حين يصبح الفاعلون الأكثر قابلية للتتبع هم الأكثر حذرا، بينما يصبح الأقل قابلية للمراقبة هم الأكثر جرأة. لذا، فإن المطالبة ليست بتخفيف القيود، بل بإرساء قواعد واضحة تخدم هدفا ساميا ألا وهو حماية الفرد والمجتمع ومنع الغموض من أن يصبح ملاذا لمن يفلتون من الرقابة.