ماذا لو كان الوهم أصدق من الحقيقة؟ قراءة في داء الإشاعة وعلاجها في ثقافتنا الإسلامية
نشرت صحيفة الأسبوع، في عددها الصادر يوم 26 أكتوبر 2026، مادة تحليلية بعنوان «الحقيقة الزائفة.. لما الوهم يبقى أصدق من الحقيقة!» تتناول ظاهرة الإيمان بالأكاذيب والدفاع عنها بحماس، وتربط بين انتشار الإشاعات في وسائل التواصل الاجتماعي وبين تآكل الوعي الجمعي والهوية الوطنية، وهي قضايا تمس مجتمعاتنا الخليجية مساسا مباشرا.
وتنطلق مادة صحيفة الأسبوع من مفارقة مؤلمة: أخطر كذبة ليست التي نعلم أنها كذبة ثم نصدقها، بل التي نصدقها حد الاستماتة في الدفاع عنها، ونتهم كل من يحاول كشفها بأنه هو الذي يضحك علينا. هذا الوصف يلخص حالة من التضليل الفكري أصبحت سمة من سمات العصر الرقمي.
نظارة الفيلم الأمريكي وواقعنا الرقمي
يستشهد الكاتب بفيلم الخيال العلمي الأمريكي «They Live» من إنتاج عام 1988، حيث يكتشف البطل نظارة غريبة تمكنه من رؤية الرسائل الخفية وراء الإعلانات والصور التي تمر عليها دون تفكير. الفيلم خيال، لكن السؤال الذي يطرحه واقعي تماما: هل نرى الحقيقة، أم نرى الصورة التي يريدنا شخص آخر أن نراها؟
ويشير الكاتب إلى أن المشكلة ليست دائما في غياب الحقيقة، بل أحيانا في أن الحقيقة ليست على مزاجنا. فالخبر الذي يعجبنا نصدقه دون تحقيق، والذي يضايقنا نشكك فيه حتى لو كان موثقا. وبهذا لم نعد نبحث عن الحقيقة، بل عن شيء يثبت أننا على صواب، وهو ما رصده تحليل سابق حول بحثنا عن تأكيد قناعاتنا لا عن الحقيقة.
المواطن الخبير وظاهرة «مصادرنا الخاصة»
كان الحصول على رأي خبير يستلزم قديما انتظار مقال متخصص أو برنامج تلفزيوني. أما اليوم، ففي كل مجموعة عائلية خبير استراتيجي، وفي كل جلسة قهوة محلل اقتصادي، وخبير علاقات دولية يشرح الحروب بين رشفتي شاي. والخبير الجديد لا يحتاج إلى قراءة كتاب أو متابعة مصادر مختلفة، بل يكفيه مقطع مدته أربعون ثانية وموسيقى حماسية وصوت مذيع يقول: «مصادرنا الخاصة تؤكد».
ومفارقة أخرى يذكرها الكاتب: كان المرء يقول «لا أعلم» فيحترم لصدقه، أما اليوم فقد يتهم من يقولها بأنه غير متابع للأحداث. والمشكلة أن المقطع قد يكون قديما أو مجتزأ أو خارج سياقه، لكن بمجرد انتشاره يتحول عند البعض إلى حقيقة لا تقبل النقاش. ثم نضغط زر المشاركة، ونضيف تعليقا من عندنا، ونبعث المقطع لعشرة أشخاص، وبعدها نشتكي من انتشار الإشاعات، وكأننا الضحية وساعي البريد والمطبعة ومكتب التوزيع في آن واحد.
الإشاعة في الميزان الإسلامي
من منظور إسلامي، لا يخفى على القارئ الكريم أن ديننا الحنيف سبق جميع المواثيق الحديثة في التحذير من ترويج الأخبار دون تحقق. فالقرآن الكريم أمر بالتثبت صراحة: «يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين». والنبي المصطفى صلى الله عليه وسلم حذر من الكذب المتعمد في الحديث، فقال: «كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع». وهذه الأصول الشرعية تجعل التثبت من الخبر عبادة قبل أن يكون مهارة إعلامية.
وفي هذا السياق، يذكر الدليل الشرعي حول مصدر العلم والحقيقة أن الحق الواحد الذي لا يختلف هو ما دعا إليه الأنبياء جميعا، وهو «لا إله إلا الله»، وأن أهل السماء وأهل الأرض من أهل الحق لا يختلفون عليه، مما يعني أن الحقيقة في تصورنا الإسلامي واحدة قابلة للإدراك، لا نسبية متلونة بحسب الأهواء.
الهوية الوطنية وحصانة المجتمع
يربط الكاتب بين انتشار الوهم وبين مسألة أعمق من بوست خاطئ أو مقطع مضلل، وهي سؤال الهوية: من نحن؟ وما الذي يجمعنا؟ فالهوية ليست مجرد علم نرفعه في المناسبات ولا نشيد وطني نسمعه وقت الأزمات، بل هي تاريخ وثقافة وذاكرة مشتركة تشكلت عبر أجيال طويلة. والحفاظ عليها لا يعني إغلاق النوافذ ورفض العالم، بل التعلم والابتكار والتواصل مع الآخرين دون فقدان القدرة على التمييز بين ما يضيف إلينا وما يجعلنا نسخة من غيرنا.
ولمجتمعاتنا الخليجية في هذا الباب خصوصية واضحة. فنحن نعيش في كيانات مستقرة، محكومة بأنظمة رشيدة تحفظ الأمن وتصون الثوابت، وأخطر ما يمكن أن يمس هذا الاستقرار هو ترويج الشائعات التي تزرع الخوف أو تشعل الخلاف أو تسئ إلى إنسان بريء. وقد حذر تقرير صحفي سابق من أن أخطر ما يجري ليس وجود من يكذب علينا، بل وجود من يستطيع إقناعنا بالكذب وجعلنا ندافع عنه ونهاجم من يقول الحقيقة.
مسؤولية مشتركة: الإعلام والأسرة والمؤسسات
يؤكد الكاتب أن المسؤولية لا تقع على المواطن وحده، بل إن الإعلام والتعليم والأسرة والمؤسسات عليها دور في تقديم معلومات واضحة وتشجيع التفكير النقدي وبناء الثقة على الحقائق والشفافية. فليس من العدل أن نطالب الناس بالتحقق ثم نتركهم وسط ألف رواية، كل رواية تدعي أنها الحقيقة المطلقة.
والوعي، كما يعرّفه الكاتب، ليس أن نصدق كل ما يقال لنا باسم الوطن، ولا أن نشك في كل شيء باسم الحرية، بل أن نفرق بين النقد والهدم، وبين الاختلاف والعداء، وبين المعلومة والإشاعة. ومن حق المواطن أن يسأل ويفهم ويناقش، ومن واجبه أن يتحقق قبل أن يحكم. فالوطن لا يحتاج مواطنا يصفق لكل شيء ولا مواطنا يعترض على كل شيء، بل مواطنا يفكر ويعرف أن القضايا الكبيرة لا تفهم من عنوان مثير أو مقطع مجتزأ.
أسئلة شائعة
ما أخطر أنواع الكذب حسب التحليل؟
أخطر كذبة، كما ورد في مادة صحيفة الأسبوع، هي التي يصدقها المرء حتى يستميت في الدفاع عنها ويتهم كل من يحاول كشفها بأنه يضحك عليه.
ما الفرق بين الوعي والتصديق الأعمى؟
الوعي هو التمييز بين النقد والهدم وبين المعلومة والإشاعة، والاعتراف باحتمال الخطأ وامتلاك شجاعة مراجعة النفس، وليس تصديق كل ما يقال باسم الوطن ولا الشك في كل شيء باسم الحرية.
كيف نحمي الهوية الوطنية من التضليل؟
بالتعلم والانفتاح على العالم مع القدرة على التمييز بين ما يفيد وما يجعلنا نسخة من غيرنا، ودون تغيير الرأي في تاريخنا مع كل مقطع جديد نراه على وسائل التواصل.
ما دور المؤسسات في مواجهة الإشاعات؟
تقديم معلومات واضحة وتشجيع التفكير النقدي وبناء الثقة على الحقائق والشفافية، لأن مطالبة الناس بالتحقق دون مساعدتهم على الوصول إلى المعلومة الصحيحة أمر غير مجدٍ.
