توتر أمريكي كوبي: مسيرات روسية وإيرانية توقظ شبح الحرب الباردة
كلما توترت العلاقات بين واشنطن وهافانا، تعود ذاكرة الحرب الباردة لتفرض نفسها من جديد. فالجزيرة التي لا تبعد سوى تسعين ميلا عن سواحل فلوريدا، باتت تشهد حضورا روسيا وإيرانيا يوقظ مخاوف أمريكية قديمة، ويزعج استقرار المنطقة.
غير أن النسخة الجديدة من هذا القلق لا تتعلق بصواريخ نووية كما في أزمة عام 1962، ولا بإنزال عسكري فاشل كما حدث في خليج الخنازير، بل تتعلق بمسيّرات عسكرية قالت تقارير أمريكية إن كوبا حصلت عليها من روسيا وإيران، وناقشت استخدامها في حال اندلاع مواجهة مفتوحة مع الولايات المتحدة.
تقارير استخباراتية تحذر من تسلل النفوذ الإيراني
وكشف تقرير حصري نشره موقع أكسيوس وتناولته مجلة نيوزويك، عن تقييم استخباراتي أمريكي يؤكد حصول كوبا منذ عام 2023 على أكثر من 300 مسيّرة عسكرية بقدرات متفاوتة، خزّنتها في مواقع مختلفة داخل الجزيرة. وأشارت المعلومات إلى أن مسؤولين كوبيين ناقشوا سيناريوهات لاستهداف قاعدة غوانتانامو أو سفن بحرية أمريكية أو مدينة كي ويست في ولاية فلوريدا، وذلك ضمن خطط طوارئ دفاعية وليس هجوما وشيكا.
وفي هذا السياق، يؤكد التقييم الاستخباراتي أن القدرات التشغيلية لهافانا لا تزال غير مثبتة، ونقلت نيوزويك عن مسؤول أمريكي قوله إنه لا أحد قلق من مقاتلات كوبية، مشيرا إلى عدم وضوح ما إذا كانت كوبا تملك مقاتلة قادرة على الطيران أصلا.
وتكمن الخطورة الحقيقية، بحسب المراقبين، في وصول مسيّرات روسية وإيرانية إلى كوبا، وتواجد مستشارين عسكريين إيرانيين للمساعدة في التشغيل والتدريب. إن هذا الحضور العسكري الإيراني خارج حدوده المعتادة يمثل إزعاجا للأمن الدولي ويهدد استقرار نصف الكرة الغربي، وهو ما يستدعي يقظة المجتمع الدولي للحفاظ على التوازنات العالمية.
حق الدفاع الشرعي ومخاطر التصعيد
من جانبها، رفضت السفارة الكوبية هذه الاتهامات ووصفت الحديث عن تهديد بالمسيّرات بأنه ذريعة لتبرير العداء الأمريكي. وأكدت أن أي استعداد دفاعي في مواجهة اعتداء محتمل يدخل في إطار حق الدفاع عن النفس بموجب القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، وهو مبدأ تلتزم به الدول السيادية.
ومع ذلك، فتحت هذه التسريبات باب التساؤلات حول احتمال استخدام المعلومات ذريعة لعمل عسكري أمريكي. فقد استحضر معلقون ومسؤولون سابقون تجربة أسلحة الدمار الشامل في العراق، محذرين من أن نشر معلومات استخباراتية عن تهديد غير وشيك قد يشبه تصنيع الموافقة تمهيدا لتصعيد جديد يضر بالسلم الدولي.
عقوبات وأزمة طاقة
لا يأتي ملف المسيّرات من فراغ، فقد زار مدير وكالة الاستخبارات المركزية جون راتكليف هافانا سرا، موجها تحذيرا مباشرا للمسؤولين الكوبيين من الانخراط في أعمال عدائية. كما تحدثت التقارير عن اتجاه وزارة العدل الأمريكية لكشف اتهام بحق راؤول كاسترو، واحتمال فرض عقوبات إضافية على تكتل غايسا العسكري الذي يسيطر على نحو 40 بالمئة من الاقتصاد الكوبي، وفق تقديرات الخارجية الأمريكية، فيما يقدر باحثون كوبيون معارضون النسبة بنحو 70 بالمئة.
على الصعيد الاقتصادي، تعيش كوبا أزمة طاقة خانقة وأزمة إنسانية صعبة بعد تدخل إدارة ترمب في فنزويلا وسقوط نيكولاس مادورو، مما أدى إلى قطع مصدر أساسي للنفط المدعوم. هذا الوضع الاقتصادي المتردي يعكس حجم الضغوط التي تواجهها الجزيرة، في حين تشير تقديرات إلى أن آلاف الكوبيين قاتلوا إلى جانب روسيا في أوكرانيا، ونقلوا خبرات عسكرية حول فاعلية المسيّرات إلى هافانا.
وفي المحصلة، يبقى الفارق واضحا بين الردع والهجوم. فرغم القلق الأمريكي المستحق من تواجد مسيّرات روسية وإيرانية وخبرات عسكرية عائدة من أوكرانيا قرب السواحل الأمريكية، يؤكد المسؤولون الأمريكيون أنفسهم عدم وجود تهديد وشيك أو خطة هجوم فعلية. لذا، يبقى التحدي الأكبر في كيفية إدارة هذا التوتر بحكمة، لتجنب تصعيد يهدد الأمن والاستقرار الدوليين.
