التوازن الاستراتيجي: لماذا تتريث واشنطن في مواجهة إيران؟
تشهد المنطقة حالة من الترقب والحذر، حيث تواصل الولايات المتحدة الأمريكية تعزيز وجودها العسكري في الشرق الأوسط دون اتخاذ خطوات حاسمة تجاه إيران. هذا الموقف يعكس حسابات استراتيجية معقدة تتطلب فهماً عميقاً للتوازنات الإقليمية والدولية.
التحشيد العسكري والرسائل المتناقضة
مع وصول حاملة الطائرات الأمريكية "يو إس إس أبراهام لينكولن" إلى مياه الشرق الأوسط، وزيارة قائد القيادة المركزية الأمريكية الأدميرال براد كوبر لإسرائيل، تصاعدت التكهنات حول إمكانية تحرك عسكري أمريكي ضد إيران.
غير أن هذه الإشارات القوية لم تترجم إلى عمل عسكري فعلي، رغم التحذيرات المتكررة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والذي صاغ احتمالية التدخل بعبارات إنسانية واضحة، محذراً طهران من استخدام القوة المفرطة ضد المتظاهرين.
الأوضاع الإنسانية والحسابات السياسية
تشير التقارير الدولية إلى تفاقم الأوضاع الإنسانية في إيران، حيث تجاوز عدد الضحايا المدنيين 20 ألفاً وفقاً لمنظمات حقوقية والأمم المتحدة، بينما ذكرت مصادر أخرى أرقاماً أعلى تصل إلى 36 ألف قتيل.
وقد أكد الرئيس الأمريكي أن الضغوط الأمريكية أوقفت بالفعل مئات عمليات الإعدام التي كانت مخططة، مما يعكس فعالية الدبلوماسية والضغط السياسي كبديل عن العمل العسكري المباشر.
استراتيجية ضبط النفس والحكمة السياسية
تتبنى إدارة ترامب استراتيجية متوازنة تجمع بين الخطاب المتشدد والضبط المتعمد للنفس. فاستراتيجية الأمن القومي الصادرة في نوفمبر 2025 تؤكد نهج "أمريكا أولاً"، وتمنح الأولوية لتجنب الزج بالقوات الأمريكية في صراعات قد تتحول إلى حروب طويلة الأمد.
في المقابل، تتبنى استراتيجية الدفاع الوطني لعام 2026 لهجة أكثر حزماً تجاه إيران، واصفة إياها بالخصم الاستراتيجي، مع وضع خطوط حمراء واضحة تتعلق بحماية المدنيين وحقوق الإنسان.
الحسابات الاستراتيجية المعقدة
أولاً: خطر التصعيد الإقليمي
أوضحت طهران أن أي ضربة أمريكية ستقابل بردود متعددة الجبهات، تشمل إسرائيل والقواعد الأمريكية وربما طرق الطاقة العالمية، مع احتمالات استخدام الصواريخ الباليستية أو تعطيل مضيق هرمز.
ثانياً: الحسابات الداخلية الأمريكية
يستمر الإرهاق من التدخلات العسكرية في الشرق الأوسط، وتظهر استطلاعات الرأي معارضة غالبية الأمريكيين لحروب جديدة، حتى لو قدمت في إطار إنساني.
ثالثاً: تحقيق مكاسب دون حرب
الموقف الحالي يضعف طهران بصورة غير مباشرة، ويزيد الضغط على برنامجها النووي، ويعمق عزلتها الاقتصادية عبر العقوبات والتعريفات الجمركية.
الشراكات الإقليمية والحكمة الجماعية
تشير التقارير إلى أن شركاء إقليميين، من بينهم إسرائيل، دعوا إلى توخي الحذر والتريث، إدراكاً منهم أن حتى ضربة محدودة قد تتطور إلى حرب إقليمية شاملة تضر بمصالح جميع الأطراف.
في هذا السياق، تبدو الحشود البحرية أداة للضغط والردع أكثر منها تمهيداً مباشراً للحرب، مما يعكس تفضيل الإدارة الأمريكية لتفادي كلفة تصعيد قد تتجاوز أي مكاسب استراتيجية محتملة.
خيارات مفتوحة ومرونة استراتيجية
تعكس سياسة ترامب إدارة دقيقة للتوازن بين المسؤولية الأخلاقية والقيود الاستراتيجية والمخاطر السياسية. غير أن ضبط النفس لا يعني الثبات أو إغلاق الخيارات، فالوضع القائم يبقي جميع السيناريوهات مفتوحة.
من ضربة محدودة ودقيقة قد توفق بين الخطاب الإنساني والردع الفعال، إلى حملة أوسع إذا ما طغت الحسابات الاستراتيجية على سياسة التريث الحالية.
وفي ظل هذه التطورات، تبقى المنطقة في حالة ترقب حذر، حيث تتطلب الأوضاع الحالية حكمة سياسية ودبلوماسية ماهرة لتجنب انزلاق المنطقة إلى صراع أوسع قد تكون تداعياته وخيمة على الجميع.