عودة موضة الثمانينيات.. لماذا يستلهم جيل الألفية أزياء وذكريات لم يعشها؟
في زمن تتسارع فيه صيحات الموضة وتتبدل بسرعة، تعود أجواء الثمانينيات لتفرض حضورها بقوة على منصات التواصل الاجتماعي، من الملابس والإكسسوارات إلى تسريحات الشعر والمكياج. واللافت أن شريحة واسعة من جيل الألفية لم تعاصر تلك الحقبة، لكنها باتت شغوفة بتفاصيلها، وتعيد تقديمها بروح عصرية تليق بالحاضر.
لم يعد تريند الثمانينيات مجرد موجة عابرة، بل تحول إلى اتجاه واضح في عالم الموضة، حيث بدأت عناصر مستوحاة من أزياء تلك الفترة تظهر في إطلالات الشباب، إلى جانب انتشار صور ومقاطع فيديو تستعيد أجواءها عبر وسائل التواصل الاجتماعي. وقد أثار ذلك تساؤلات عديدة: لماذا يبحث جيل الألفية بشغف عن أزياء وذكريات حقبة لم يعشها؟ وما السر وراء هذا الارتباط النفسي؟ للإجابة عن هذه التساؤلات، تواصلت «اليوم السابع» مع ريهام عبد الرحمن، استشاري العلاقات الأسرية والباحثة في الصحة النفسية، والدكتور محمد مصطفى، أخصائي علم النفس، لتحليل الدوافع الكامنة وراء هذه الظاهرة وكشف أسرار «النوستالجيا غير المعاشة» لدى الشباب.
دور الأسرة في إحياء تريند الثمانينيات
أوضحت استشاري العلاقات الأسرية أن ارتباط الشباب بنوستالجيا الثمانينيات قد يبدو مفارقة غريبة، لكن الحنين لا يشترط دائمًا أن يكون الإنسان قد عاش الفترة التي يحن إليها. فقد تعرّف جيل الألفية على تفاصيل هذه الحقبة من خلال ألبومات صور الآباء والأمهات، والأفلام، والمسلسلات القديمة، والأغاني والإعلانات. ومع تكرار ظهور هذه التفاصيل البصرية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أصبح الماضي مصدرًا خصبًا للإلهام لجيل جديد يرى في هذه الحقبة عالمًا مختلفًا بصريًا وثقافيًا عن واقعه الحالي، ويعيد اكتشافه ليعبّر عن هويته.
الأسرة حلقة الوصل و«الأرشيف الحي»
أشارت الباحثة في الصحة النفسية إلى أن الأسرة، وخاصة في المجتمعات العربية، تلعب دورًا غير مباشر في إعادة إحياء تفاصيل الثمانينيات. فكثير من الآباء والأمهات يحتفظون بذكريات حية مرتبطة بملابس وموسيقى تلك الفترة. وتبرز الأم بشكل خاص كحلقة وصل و«أرشيف حي» للموضة؛ فبعض الأمهات ما زلن يحتفظن بقطع أزياء أو إكسسوارات قديمة، أو يتذكرن طرق التنسيق الجريئة في ذلك الوقت. ومع عودة هذه العناصر إلى ساحة الموضة، تتحول خزانة الأم وذكرياتها إلى كنز ومصدر إلهام لابنتها، لتنتقل تفاصيل الماضي بين الأجيال بصورة عفوية ودافئة.
السوشيال ميديا وإعادة صياغة الموضة بروح عصرية
ساهمت منصات التواصل الاجتماعي في تسريع عودة الصيحات القديمة، حيث تظهر موضة الثمانينيات حاليًا بقوة في محتوى صناع الموضة والتصوير. وأوضحت استشاري العلاقات الأسرية أن الموضة لا تعود غالبًا بنسختها الأصلية المتطابقة، بل يُعاد تقديمها بخامات وقصّات أحدث. فتميزت الثمانينيات بالألوان الجريئة، والجاكيتات الواسعة، والجينز عالي الخصر، وهي عناصر تمنح الشباب مساحة للتعبير عن أنفسهم. فالهدف ليس تقليد الماضي أو العيش فيه، بل محاولة لصناعة هوية بصرية مميزة وسط تشابه خطوط الموضة الحالية، من خلال دمج قطعة كلاسيكية مع إطلالة حديثة تجمع بين سحر الماضي وعملية الحاضر.
السبب النفسي: هروب مؤقت وبحث عن الدفء والأمان
من جانبه، حلل الدكتور محمد مصطفى، أخصائي علم النفس، البعد النفسي لهذا التريند، موضحًا أن استدعاء أجواء الثمانينيات يثير ما يُعرف نفسيًا بـ«الحنين إلى الماضي». هذا الشعور يمنح الإنسان إحساسًا بالدفء والألفة والأمان، ويعيد إلى ذهنه لحظات ارتبطت بمشاعر إيجابية. وأكد أن هذا الحنين لا يعني الرغبة الفعلية في العودة إلى الماضي، بل هو وسيلة نفسية لاستحضار مشاعر يفتقدها الشباب في الحاضر، مثل البساطة والطمأنينة والمرح وقلة الضغوط. لذلك، يُعد هذا التريند انعكاسًا لرغبة لا واعية في الهروب المؤقت من إيقاع الحياة السريع واستعادة أجواء تمنحهم الراحة والانتماء.
تجربة جماعية و«ذاكرة انتقائية» تصنع السعادة
وأضاف أخصائي علم النفس أن مشاركة هذه التفاصيل عبر وسائل التواصل الاجتماعي تمنح الشخص فرصة لعيش «مشاعر جماعية»، حيث يشعر بأنه جزء من تجربة مشتركة تثير السعادة والحماس بدلاً من كونها مجرد ذكريات فردية. وفسّر الشعور القوي بالبهجة المصاحب لهذا التريند بـ«انتقائية الذاكرة»؛ فالإنسان عادة ما يستدعي اللحظات الجميلة بصورة أقوى عندما يشعر بالحنين، متناسيًا التفاصيل السلبية أو الصعوبات المرتبطة بتلك الفترة، مما يجعل الماضي يبدو دائمًا أكثر جمالًا وبساطة مما كان عليه بالفعل.
واختتم أخصائي علم النفس حديثه بوصف تريند الثمانينيات بأنه من أفضل «التريندات» الإيجابية في الفترة الأخيرة، كونه يهدف إلى نشر السعادة، ويفتح المجال للعودة إلى الملابس والألوان المبهجة، ليخلق حالة من الفرحة الصافية التي تغمر الجميع، حتى أولئك الذين لم ينتموا زمنيًا لتلك الحقبة.