كشفت وزارة السياحة والآثار المصرية، عبر القسم الخاص بالآثار الغارقة على موقعها الرسمي، عن خريطة واسعة من المواقع الأثرية المغمورة تحت مياه البحر الأحمر والمتوسط ونهر النيل، تعود بعضها إلى أكثر من أربعة آلاف عام، وتوثق موانئ تجارية ومدناً ملكية وأساطيل بحرية رقدت في قاع المياه لقرون طويلة.
وأفاد تقرير نشرته منصة مصراوي.كوم يوم 20 أكتوبر أن هذه الاكتشافات تمتد من أقدم ميناء صناعي معروف في العالم على ساحل البحر الأحمر، مروراً بقصور الملوك والملكات الغارقة في الإسكندرية، وصولاً إلى مراسي السفن القديمة في مجرى النيل جنوب البلاد، بما يعكس عراقة الدور المصري في الربط بين الشرق والغرب عبر التاريخ.
ميناء وادي الجرف: أقدم ميناء صناعي في العالم
يتصدر موقع وادي الجرف على ساحل البحر الأحمر قائمة الاكتشافات، إذ يرجع تاريخه إلى عصر الملك خوفو، أشهر ملوك الأسرة الرابعة، نحو عام 2600 قبل الميلاد. وتظهر بقايا منشآت الميناء المقامة في الماء على شكل الحرف اللاتيني (L) بزاوية منفرجة، حيث تمتد شرقاً لمسافة نحو 160 متراً، ثم تتجه جنوباً لمسافة 130 متراً، بعرض يتراوح بين 8 و14 متراً وعمق لا يتجاوز مترين.
وقد صُمم هذا المبنى ليشكل حاجزاً للأمواج والتيارات الشمالية، وليوفر مساحة مائية آمنة لا تقل عن 5.67 هكتارات لرسو السفن وانطلاقها. وعُثر على مسافة 120 متراً من الشاطئ الحالي على 21 مرساة من الحجر الجيري ترجع لعصر الأسرة الرابعة، وهو ما يؤكد وفق المصدر أن المصريين القدماء أسسوا شبكة اتصال استراتيجية متقدمة بين ساحل البحر الأحمر وشبه جزيرة سيناء.
حطام سفينة تجارية في جزيرة سعدانة
وعلى الساحل قرب سفاجا شمالاً، تحتضن جزيرة سعدانة في قاعها حطام سفينة تجارية غارقة تعود إلى نحو عام 1760م. وبلغ طول السفينة نحو 50 متراً، وكانت تحمل شحنة هائلة قُدرت بنحو 900 طن من البضائع، شملت الخزف الصيني النادر من عهد أسرة تشينغ، وأنواعاً فاخرة من التوابل الهندية كالفلفل والهيل وجوزة الطيب، واللبان العُماني، إضافة إلى جوز الهند والزيتون والبندق.
ورغم أن طراز بناء السفينة لا يشبه الطرز المعروفة لتلك الحقبة، فإن محتوياتها المتنوعة أظهرت كثافة شبكات التجارة العالمية وحيوية الموانئ المصرية كحلقة وصل رئيسية بين أسواق الشرق والغرب، وهي شبكات لعبت المنطقة دوراً محورياً فيها عبر العصور.
الإسكندرية: عواصم الملوك تحت مياه المتوسط
وفي الإسكندرية على البحر المتوسط، تتغير طبيعة الآثار من موانئ التجارة إلى القصور الملكية والمدن التي ابتلعتها المياه. ففي الميناء الشرقي، الميناء الملكي القديم الممتد بين رأس السلسلة شرقاً وقلعة قايتباي غرباً على مساحة نحو 600 هكتار وعمق يتراوح بين مترين وثمانية أمتار، بدأت الاكتشافات عام 1961 بجهود الغواص والباحث كامل حسين أبو السعادات، ثم تلتها مسوحات بعثة المعهد الأوروبي للآثار الغارقة عام 1992.
وأسفرت هذه الجهود عن تحديد تخطيط الميناء الذي ضم عشرة موانئ رئيسية، والكشف عن جزيرة أنتيرودوس وشبه جزيرة التيمونيوم الغنيتين بالبقايا المعمارية والسياسية والدينية العريقة.
قلعة قايتباي وبقايا الفنار العظيم
على مسافة 150 متراً شرق قلعة قايتباي، وعلى عمق يتراوح بين 6 و8 أمتار، ترقد قطع أثرية فريدة أُلقيت في مياه الميناء عام 1167م بأمر من السلطان صلاح الدين الأيوبي لإعاقة الغزو الصليبي القادم من قبرص، إلى جانب بقايا منار الإسكندرية القديم وجزيرته التي أسقطها الزلزال التاريخي.
وانتُشل من هذا الموقع أكثر من 3000 قطعة أثرية معمارية تشمل أعمدة ضخمة وتماثيل وقواعد وتيجاناً، جرى اختيار 36 قطعة ضخمة منها لعرضها في ممر المسرح الروماني بكوم الدكة، فضلاً عن اكتشاف 7 تماثيل ضخمة لأبي الهول، وموقع حطام ثلاث سفن ترجع ما بين القرن الثالث قبل الميلاد والقرن السابع الميلادي.
الشاطبي وخليج المعمورة
وفي موقع الشاطبي أمام مكتبة الإسكندرية حالياً، الذي مثّل في العصر البطلمي الحي الشرقي للمنطقة الملكية، أسفرت أعمال المعهد الهليني التي بدأت عام 1998م عن العثور على بقايا يُرجح أنها تخص معبد إيزيس أو قصر الملكة كليوباترا السابعة، إضافة إلى بقايا فخارية وأوانٍ على طراز الأمفورات تعود للعصر الروماني المتأخر.
ويمتد خليج المعمورة من حدائق المنتزه غرباً إلى أبو قير شرقاً، وكان يمثل البوابة الرئيسية لدخول السفن القادمة من المتوسط إلى نهر النيل عبر فرع النيل الكانوبي. وأفرزت المسوحات عن حطام سفينة رومانية، وميناء صغير ورصيف من العصر اليوناني الروماني، ومحجر للحجر الجيري، وأحواض تشير إلى مزارع سمكية وتجمع سكاني قديم.
خليج أبو قير: أسطول نابليون والمدن الغارقة
وعلى مسافة 22 كيلومتراً شرقي الإسكندرية، يقع خليج أبو قير الذي شهد جهوداً بحثية بدأت بأمير الغطاسين عمر طوسون والباحث كامل أبو السعادات، وصولاً إلى بعثة المعهد الأوروبي للآثار التحت مائية برئاسة فرانك جوديو عام 1996 باستخدام المسح المغناطيسي والصوتي.
ويضم الموقع قطاعين رئيسيين: الأول يشمل بقايا 6 سفن غارقة تابعة للحملة الفرنسية، أبرزها سفينة القيادة الشرق المعروفة بـأورينت، والسيريوز، والجورييه، وقد انتُشلت منها الأسلحة والذخائر والعملات ومعدات الملاحة. أما الثاني فيضم مدينتي شرق كانوب على عمق 4 إلى 5 أمتار، وهيراكليوم على مسافة 6 كيلومترات شمال شرق شاطئ أبو قير على عمق يتراوح بين 5 و7 أمتار، وهما مدينتان عظيما الشأن غرقتا نتيجة تغيرات جيولوجية وزلزالية.
النيل: شريان نقل أحجار الحضارة
ولم تقتصر الاكتشافات على البحار، إذ وثقت الدراسات الأثرية العديد من مراسي السفن الغارقة في مجرى النيل، الذي لعب على مر العصور دوراً محورياً في نقل الكتل الجرانيتية والرملية من محاجر أسوان وجبل السلسلة جنوباً إلى المعابد والمقابر شمالاً. ومن أبرز هذه المواقع مرسى الأهالي الذي يُرجح أنه المرسى الرئيسي لجزيرة إلفنتين التاريخية، وموقع معدية النجع البحري الذي يمثل مرسى صغيراً يعكس كثافة حركة النقل النهري الملكي في مصر القديمة.
وتؤكد هذه المواقع مجتمعة أن أرض مصر لم تمنح البشرية آثارها فوق الرمال فحسب، بل حفظت لها في أعماق مياهها شهادات حية على هندسة بحرية مبكرة وشبكات تجارية ربطت الشرق بالغرب منذ فجر التاريخ.
أسئلة شائعة
ما هو أقدم ميناء صناعي في العالم؟
هو ميناء وادي الجرف على ساحل البحر الأحمر في مصر، ويرجع تاريخه إلى عصر الملك خوفو نحو عام 2600 قبل الميلاد.
أين تقع المدن الغارقة هيراكليوم وشرق كانوب؟
تقعان في خليج أبو قير شرقي الإسكندرية، على عمق يتراوح بين 4 و7 أمتار، وغرقتا نتيجة تغيرات جيولوجية وزلزالية.
كم قطعة أثرية انتُشلت من موقع قلعة قايتباي؟
انتُشل أكثر من 3000 قطعة معمارية، بينها 7 تماثيل لأبي الهول، واختيرت 36 قطعة ضخمة للعرض في المسرح الروماني بكوم الدكة.
