راي داليو يحذر: تراجع الصين واليابان عن شراء السندات الأميركية يهدد الاستقرار المالي
حذر الملياردير الأميركي راي داليو، مؤسس صندوق التحوط العملاق «بريدج ووتر أسوشييتس»، من أن سوق سندات الخزانة الأميركية قد يواجه ضغوطاً إضافية إذا تراجعت الصين واليابان عن دورهما التقليدي كممولين رئيسيين للدين الأميركي. ويأتي هذا التحذير في وقت تشهد فيه الأسواق العالمية موجة بيع واسعة في السندات الحكومية، مع ارتفاع تكاليف الاقتراض إلى مستويات لم تشهدها منذ عقود.
اعتماد أميركي على التمويل الأجنبي
وقال داليو، خلال مقابلة مع تلفزيون بلومبرغ في سنغافورة، إن الولايات المتحدة تعتمد على رؤوس الأموال الأجنبية لتمويل نحو ثلث ديونها، فيما تأتي حصة كبيرة من هذا التمويل من الصين واليابان. وأوضح أن التوترات الجيوسياسية تجعل الصين أقل رغبة في الاستمرار بتكديس الديون الأميركية، بينما بدأت اليابان، التي أقرضت الولايات المتحدة مبالغ ضخمة على مدى سنوات، في التركيز بشكل أكبر على احتياجاتها المحلية واستعادة جزء من تلك الأموال.
تحذير متجدد من أزمة ديون
وجدد داليو تحذيراته السابقة بشأن احتمال تعرض الولايات المتحدة لأزمة ديون خلال السنوات الثلاث المقبلة، في وقت تشهد فيه أسواق السندات الحكومية موجة بيع واسعة أدت إلى ارتفاع تكاليف الاقتراض إلى أعلى مستوياتها منذ سنوات. ويأتي ذلك بالتزامن مع استمرار المخاوف المرتبطة بالتضخم والإنفاق الحكومي الكبير وقوة الاقتصاد الأميركي، وهي عوامل أضعفت شهية المستثمرين تجاه أدوات الدخل الثابت حول العالم.
فرنسا في دائرة القلق
وقد أثارت مخاوف مماثلة اضطرابات في أسواق الديون السيادية في مناطق أخرى، حيث برزت فرنسا تحديداً كبؤرة قلق بعد أن سجلت سنداتها لأجل 10 سنوات أسوأ أداء ربع سنوي لها منذ إطلاق عملة اليورو. وصرح داليو بأن فرنسا قد «بلغت الحد الأقصى لاقتراضها»، مما عزز مخاوف المستثمرين من أن سوق الديون في البلاد، الذي يواجه ضغوطاً شديدة، يقترب من لحظة حاسمة.
عوائد السندات عند أعلى مستوياتها منذ عقود
وتواصل السندات الأميركية تراجعها الممتد منذ أشهر، حيث ارتفع العائد على سندات الخزانة الأميركية لأجل عشر سنوات إلى نحو 5.3 بالمئة، وهو مستوى لم تشهده الأسواق منذ عام 2002. ويعكس ارتفاع العوائد تراجع أسعار السندات، كما يشير إلى مطالبة المستثمرين بعائد أكبر مقابل الاحتفاظ بالدين الحكومي الأميركي في ظل تزايد المخاطر والمخاوف المتعلقة بالاستدامة المالية.
وسجلت السندات العالمية خسائر بنسبة 3 بالمئة هذا العام، وفقاً لبيانات جمعتها وكالة «بلومبرغ»، في حين تراجعت سندات الخزانة الأميركية بنسبة 2.8 بالمئة خلال الفترة نفسها.
لماذا تراقب الأسواق الصين واليابان؟
تُعد الصين واليابان من أكبر حائزي السندات الأميركية في العالم، ما يمنحهما دوراً محورياً في تمويل العجز الأميركي والحفاظ على استقرار سوق الخزانة. وأي تراجع ملموس في مشترياتهما أو زيادة في مبيعاتهما للسندات قد يرفع الضغوط على وزارة الخزانة الأميركية، ويؤدي إلى مزيد من الارتفاع في العوائد، ما ينعكس على تكلفة الاقتراض للأفراد والشركات والحكومة الأميركية نفسها.
اليابان تخفض حيازاتها
فقد شهدت اليابان انخفاضاً في حيازاتها من سندات الخزانة بقيمة 12.8 مليار دولار خلال شهر يوليو، لتصل إلى 1.1 تريليون دولار. وتزامن ذلك الشهر مع إجراءات اتخذتها السلطات اليابانية لدعم قيمة الين، إذ أشارت أحدث بيانات وزارة المالية اليابانية إلى أن طوكيو باعت على الأرجح جزءاً من حيازاتها من الأوراق المالية الأجنبية للمساعدة في تمويل تدخلاتها لدعم العملة المحلية.
الصين تخفض حيازاتها بشكل كبير
وفي المقابل، انخفض حجم الحيازات الرسمية للصين من سندات الخزانة من ذروة بلغت 1.3 تريليون دولار في عام 2013 إلى نحو 618 مليار دولار في يوليو، مما يجعلها ثالث أكبر حائز أجنبي لهذه السندات. ومع ذلك، يرى محللون في السوق أن هذا الرقم قد لا يعكس الحجم الحقيقي بدقة، نظراً لأن حيازات دول أخرى، مثل بلجيكا، قد تتضمن حسابات وصاية لأصول مملوكة للصين؛ حيث بلغت حيازات بلجيكا من سندات الخزانة 470.7 مليار دولار وفقاً لأحدث البيانات.
يذكر أن حسابات الوصاية (Custodial Accounts) هي حسابات مالية تُفتح لدى بنك أو مؤسسة مالية متخصصة تُعرف بـ «الوصاية» (Custodian)، وظيفتها الأساسية الاحتفاظ بالأصول المالية (مثل الأسهم، السندات، أو سندات الخزانة) وإدارتها نيابة عن المستثمر الأصلي (سواء كان فرداً، أو شركة، أو بنكاً مركزياً لدولة أخرى).
الضغوط تمتد لشركات التكنولوجيا الكبرى
كما تطرق داليو إلى تزايد الضغوط التمويلية التي تواجهها شركات التكنولوجيا الكبرى المستثمرة في مجال الذكاء الاصطناعي، مما يعني أن الشركات العملاقة في مجال الحوسبة السحابية (المعروفة بـ «hyperscalers») بدأت تواجه تحديات فعلية. وقال داليو لوكالة بلومبرغ نيوز: «في السابق، كانت هذه الشركات تعتمد على جمع رأس المال عبر طرح الأسهم، أما الآن فقد بات لزاماً عليها اللجوء إلى الاقتراض»، محذراً من أن عدة عوامل قد تؤدي إلى انفجار فقاعة الذكاء الاصطناعي، مضيفاً: «قد يؤدي فرض ضريبة على الثروة، على سبيل المثال، إلى مثل هذه النتيجة، أو الالتزام بسداد القروض».
تراجع الثقة
وتأتي تحذيرات داليو في وقت تتزايد فيه التساؤلات داخل الأوساط الاقتصادية بشأن التوقعات الرسمية للاقتصاد الأميركي. فقد تعرض وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت لانتقادات بعد سلسلة من التوقعات المتفائلة التي لم تتحقق، شملت توقعات بانخفاض سريع للتضخم وتراجع أسعار الوقود وتحسن سوق الإسكان. ويرى منتقدون أن تكرار هذه التقديرات غير الدقيقة أضعف مصداقية الرسائل الصادرة عن وزارة الخزانة، ما يزيد من حساسية المستثمرين تجاه المخاطر المرتبطة بالديون والعجز المالي الأميركي.
فقد صرّح بيسنت ذات مرة بأن سوق الإسكان سينتعش في غضون أسابيع. كما أعلن سابقاً أن التضخم سينخفض سريعاً إلى 2%. ومؤخراً، أعرب بيسنت عن «تفاؤله» بأن سعر غالون البنزين سيبلغ 3 دولارات بحلول الأسبوعين الماضيين (يبلغ سعره اليوم حوالي 4.37 دولار)، وفقا لوكالة بلومبرغ نيوز. ولكن في معظم تلك الحالات، تبين أن بيسنت كان مخطئاً.
يقول دوغلاس هولتز-إيكين، رئيس منتدى العمل الأميركي، وهو مركز أبحاث يميني في واشنطن: «لقد أضر ذلك بمصداقيته، لا شك في ذلك. وهذا ليس في صالح وزارة الخزانة».
الخلاصة
يرى راي داليو أن التحدي الأكبر أمام سوق السندات الأميركية لا يتمثل فقط في ارتفاع الدين أو التضخم، بل أيضاً في احتمال تراجع شهية أكبر الممولين الأجانب للدين الأميركي. وفي حال تقلص الطلب من الصين واليابان، فقد تواجه الولايات المتحدة اختباراً صعباً للحفاظ على تدفقات التمويل اللازمة لتمويل ديونها المتنامية دون ارتفاع أكبر في تكاليف الاقتراض.