عاشوراء في النبطية: إيمان وصمود وسط أنقاض العدوان
أحيى أهالي مدينة النبطية في جنوب لبنان مراسم عاشوراء هذا العام وسط أنقاض منازلهم، في مشهد يجمع بين الحزن على الإمام الحسين وصمود المواجهة أمام الدمار الذي خلفه العدوان الإسرائيلي. ورغم التهديدات المستمرة والتهدئة الهشة، شق نحو مئتي مشارك طريقهم بين الركام، مستحضرين روح كربلاء كرمز للثبات على المبدأ في وجه الظلم.
استحضار كربلاء في واقع المأساة
في مشهد اختلطت فيه الرمزية الدينية بآثار الحرب، سار الموكب الحسيني بين أكوام الركام والخرسانة المتناثرة في شوارع النبطية. وكان المشاركون يرددون المراثي ويضربون صدورهم حزنا وأسى، مرددين عبارات تعكس عمق الرابطة بين الماضي والحاضر:
هذه هي مأساة كربلاء يا إمام الحسين، انظر.. هذه هي مأساة كربلاء. وتُعد عاشوراء من أبرز المناسبات الدينية في النبطية، حيث كانت المدينة تستقبل في السنوات المعتادة عشرات الآلاف من المشاركين. إلا أن المشهد هذا العام بدا مختلفا تماما، بعدما تحولت المدينة إلى واحدة من أكثر المناطق اللبنانية تضررا جراء الحرب الأخيرة.
كيف امتزجت مأساة كربلاء بواقع الحرب؟
اكتسبت عاشوراء هذا العام معنى إضافيا بالنسبة لسكان النبطية، الذين رأوا في معاناتهم خلال الحرب انعكاسا جديدا لقصة كربلاء. فقد أسفرت الحرب عن استشهاد أكثر من 3900 شخص في لبنان، كان معظمهم من أبناء الطائفة الشيعية، فيما تعرضت النبطية لقصف مكثف أدى إلى تدمير أجزاء واسعة منها.
وفي أنحاء المدينة والقرى المجاورة، انتشرت صور الشهداء على الجدران واللافتات. وعند مدخل بلدة حاروف المجاورة، ارتفعت لوحة ضخمة تحمل صور خمسين شهيدا من أبناء البلدة سقطوا خلال الحرب. وقال إسماعيل ياغي، البالغ من العمر خمسين عاما، إن عاشوراء هذا العام تحمل معنى خاصا، مضيفا أنهم عاشوا معركة كربلاء كل يوم خلال هذه الحرب. وأوضح ياغي أن مشاعر الحزن تختلط بالفخر بما قدموه، مشيرا إلى أن كثيرين ينظرون إلى موتهم باعتباره بداية لحياة أبدية.
عودة محدودة وسباق مع الزمن
لم يكن سكان النبطية يتوقعون إحياء عاشوراء داخل مدينتهم هذا العام بعدما أجبرت الغارات الإسرائيلية وأوامر الإخلاء معظم سكانها البالغ عددهم نحو 80 ألف نسمة على النزوح. إلا أن إعلان وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، والذي أدى إلى توقف الحرب في لبنان، أتاح عودة محدودة للسكان وأوقف تقدم القوات الإسرائيلية التي كانت على وشك السيطرة على المدينة بالكامل.
ومع الإعلان المفاجئ للتهدئة، بدأت فرق الدفاع المدني والمتطوعون سباقا مع الوقت لتجهيز المدينة للمناسبة الدينية. وبعد أشهر من العمل في عمليات الإسعاف والإنقاذ، تحول المتطوعون إلى إزالة الأنقاض وتنظيف محيط المسجد المركزي وتعليق الرايات السوداء. وقال مهدي صادق، رئيس خدمة الإسعاف في النبطية، إن التحضيرات كانت تستغرق عادة شهرا كاملا، لكن الوقت المتاح هذا العام لم يتجاوز يومين فقط.
هل تستقر التهدئة في جنوب لبنان؟
ورغم إعلان وقف إطلاق النار، لم تتوقف الاشتباكات بشكل كامل. ففي أثناء التحضيرات والمراسم، استمرت أصوات المدفعية الإسرائيلية في التردد حول المدينة، فيما تصاعد الدخان فوق التلال المحيطة بها. وواصل الطرفان تبادل إطلاق النار داخل المنطقة التي تصفها إسرائيل بأنها