الترحال الحزبي عشية الاستحقاقات: تحول في القناعات أم تجريد للولاء؟
مع اقتراب المواسم الانتخابية في عدد من الدول العربية، تبرز ظاهرة الترحال الحزبي التي يغير فيها وجوه سياسية انتماءاتها بحثا عن مواقع ترشيح أكثر أمانا. يرى محللون أن هذه التنقلات تعكس تراجع الالتزام الأخلاقي والولاء للمبادئ، وتتحول فيها المصالح الشخصية والانتخابية إلى مبرر للتخلي عن العهود، مما يهدد استقرار العمل الوطني ويضعف الثقة في المؤسسات التمثيلية ويعمق غياب التأطير الفكري.
ما هي أبعاد ظاهرة الترحال الحزبي؟
اعتبر سمير الشحواطي، أستاذ بكلية العلوم القانونية والاقتصادية بتطوان، أن الترحال السياسي يمثل نقيصة تعيق تخليق الحياة السياسية. وأوضح الشحواطي في تصريح لجريدة هسبريس، أن هذه الظاهرة كانت لصيقة بأحزاب معينة، غير أن أغلب الأحزاب باتت اليوم بمثابة محطات انطلاق للرحل، بما فيها التنظيمات التي طالما نددت بهذا السلوك في الماضي.
وأشار الأكاديمي المغربي إلى أن المشرع حاول التصدي للظاهرة عبر آليات قانونية، بداية من التغريم بموجب القانون التنظيمي رقم 36.04 المتعلق بالأحزاب السياسية لسنة 2006، وصولا إلى التجريد من العضوية الانتدابية مع التعديل الدستوري لسنة 2011 عبر الفصل 61. غير أن المقاربة القانونية تبقى قاصرة، إذ يعمد الرحل إلى تغيير الانتماء على مشارف نهاية الولاية الانتدابية بقصد الترشيح تحت يافطة سياسية أخرى.
وسجل الشحواطي أن حركية الترحال تتزامن دائما مع الاستعداد للمحطات الاستحقاقية، معتبرا أنها نتيجة لصراع المصالح والتزكيات في دهاليز الأحزاب، ولا يمكن ربطها بتغير القناعات أو الديمقراطية الداخلية. وقال إنه لا داعي للتنقل بين حزب ونسخته ذات الأفكار والممارسات نفسها، إلا إذا كان الهدف هو تزامن حسم التزكيات، مما يفسر انتعاش سوق التنقلات السياسية عشية كل موسم انتخابي.
تراجع الرهان على المناضلين مقابل تنامي الرهان على الوافد ذي الإمكانات المالية، يشي بأن بعض الأحزاب لا تهمها سوى البحث عن الكراسي وحسابات ما بعد الانتخابات، وطغيان المقاربة العددية على المبادئ السياسية.
وحمل الشحواطي الأحزاب السياسية، خاصة المستقبلة للرحل، الجزء الأكبر من المسؤولية، مشيرا إلى طغيان لغة المصالح على المبادئ، حيث تصفيق القواعد للوافد الجديد يزكي أطروحة العلاقة بين الشيخ والمريد على حساب الالتزام الحزبي. وشدد على أن تخليق الحياة السياسية يتطلب ترسيخ القيم الأخلاقية والديمقراطية في المجتمع، والاستثمار في تكوين النخب الشابة بدل الاعتماد على محترفي الانتخابات، بما يعزز الثقة والاستقرار.
ضعف المرجعية والتأطير الفكري
من جهته، أرجع أحمد درداري، رئيس المركز الدولي لرصد الأزمات واستشراف السياسات، ظاهرة الترحال السياسي إلى ضعف الارتباط بالمرجعيات وتراجع الالتزام بالانتماء، مؤكدا أن هذا المعطى أصبح نقيضا للأساس الذي أُحدثت من أجله الأحزاب. وأوضح درداري أن منطق البحث عن فرص للفوز بات يطغى على سلوك المرشحين، حيث يلجأ أصحاب الإمكانيات المالية إلى أحزاب توفر لهم مواقع أفضل في اللوائح الانتخابية بعيدا عن الدعم الحزبي.
وأضاف المحلل السياسي أن الخلافات الداخلية حول التزكيات وضعف الديمقراطية الداخلية والصراعات القيادية تدفع السياسيين نحو المغادرة. كما أبرز أن تقارب البرامج السياسية وضعف التأطير الإيديولوجي يجعل الانتقال بين الأحزاب أمرا عاديا، مما يقلل الكلفة الأخلاقية والسياسية لهذا التنقل ويجعل الغاية تبرر الوسيلة للحفاظ على المواقع.
كيف يبرر المؤيدون والمنتقدون هذه الظاهرة؟
أورد أحمد درداري أن أنصار الترحال السياسي يعتبرونه حلا للخلافات الداخلية وتعبيرا عن تطور القناعات ورفضا لممارسات الحزب الأصلي، مما يجعله ممارسة مشروعة تندرج ضمن حرية الاختيار. وأشار إلى أن مؤيدي الظاهرة يرون فيها تعزيزا للتنافس لاستقطاب الكفاءات، حيث يظل بعض المنتقلين أوفياء لتوجهاتهم الأصلية رغم حصولهم على تزكيات جديدة، وهو ما يوصف بإخفاء القبعة الحزبية الحقيقية.
في المقابل، يرى المنتقدون أن أغلب حالات الانتقال تتم قبيل الانتخابات مباشرة، وترتبط بالحصول على التزكية وضمان المقعد أكثر من ارتباطها بتحول فكري حقيقي، ما يجعلها أقرب إلى منطق المصلحة الخاصة. وخلص درداري إلى أن الظاهرة مركبة تتداخل فيها القناعة والمصلحة، غير أن تكرارها المكثف قبيل الاستحقاقات يعزز لدى الرأي العام الانطباع بأن الدافع الشخصي يظل أقوى من الدافع البرنامجي، وهو ما يتنافى مع قيم الوفاء والاستقامة التي تتطلبها المصلحة الوطنية.
هل الترحال الحزبي مقبول سياسيا وأخلاقيا؟
الترحال الحزبي يظل محل جدل دائم. فمن منظور أخلاقي وديني، يعد الوفاء بالعهد والبقاء على الانتماء مبدأ أصيلا يعزز ثقة المواطن في جدية العمل السياسي. أما من منظور عملي، يرى البعض أن حرية الاختيار تبرر تغيير الانتماء إذا تعارضت ممارسات الحزب مع قناعات الفرد، شريطة أن يكون الدافع وطنيا وليس مجرد بحث عن كرسي السلطة.
كيف تعالج القوانين ظاهرة الترحال الحزبي؟
حاولت التشريعات في عدد من الدول العربية معالجة الظاهرة عبر فرض عقوبات مالية، أو التجريد من العضوية الانتدابية لمن يغير انتماءه أثناء الولاية البرلمانية. ومع ذلك، تظل هذه القوانين قاصرة لأن السياسيين غالبا ما يلجؤون إلى تغيير الانتماء في نهاية الولاية التشريعية تجنبا لهذه العقوبات، مما يستدعي تقوية الضوابط الداخلية للأحزاب.
ما هو تأثير الترحال الحزبي على استقرار العمل الوطني؟
يؤدي الترحال الحزبي المكثف إلى تآكل ثقة المواطن في المؤسسات السياسية، ويحول الأحزاب إلى مجرد أدوات انتخابية تفتقر إلى العمق الفكري. كما أنه يعزز ثقافة الغاية تبرر الوسيلة، ويضعف مبدأ الولاء للمشروع الوطني، مما يستدعي إعادة بناء العمل الحزبي على أسس من الالتزام الأخلاقي وتأهيل الكفاءات الشابة البعيدة عن حسابات المصالح الضيقة.