تصاعد التوتر بين السعودية والحوثيين: هل نشهد جولة جديدة من الحرب في اليمن؟
تشهد العلاقات بين المملكة العربية السعودية وجماعة أنصار الله (الحوثيين) في اليمن توتراً متصاعداً، وسط مؤشرات على انهيار قنوات الاتصال التي ظلت مفتوحة بين الطرفين لسنوات. وتأتي هذه التطورات بعد أسابيع من الهجمات التي استهدفت سفناً ومطارات ومنشآت نفطية سعودية، مما يثير تساؤلات حول إمكانية اندلاع مواجهة عسكرية جديدة في المنطقة.
ما أسباب التصعيد الحالي بين الرياض والحوثيين؟
بدأ التصعيد الحالي الشهر الماضي، بعدما اتهم الحوثيون السعودية بقصف مطار صنعاء الدولي لمنع طائرة إيرانية من الهبوط، وهو اتهام نفته الرياض رسمياً. وعقب ذلك، أعلن الحوثيون حصاراً بحرياً على السفن السعودية في البحر الأحمر، فيما نفذت السعودية ضربات جوية محدودة في اليمن، ورد الحوثيون بهجمات صاروخية وبطائرات مسيرة داخل الأراضي السعودية.
ووفقاً لتحليل نشرته صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية، فإن هذه التطورات دفعت الرياض والحوثيين المدعومين من إيران إلى حافة مواجهة جديدة قد تتسع لتصبح جبهة إضافية في الحرب الدائرة مع طهران.
انهيار قنوات الاتصال بين السعودية والحوثيين
ترى الصحيفة الأمريكية أن قنوات الاتصال التي ظلت مفتوحة لسنوات بين السعودية والحوثيين تبدو الآن في طريقها إلى الانهيار التام. وقال محمد الباشا، المحلل السياسي المتخصص في الشأن اليمني والمقيم في واشنطن:
لا أرى أي مخرج سياسي في هذه المرحلة.. الحرب قادمة لا محالة.
وتزامن ذلك مع إعلان الحوثيين مسؤوليتهم عن هجوم بصاروخ باليستي استهدف ناقلة نفط سعودية، إلى جانب هجومين على قوات مدعومة من الرياض داخل اليمن. وتوعد المتحدث العسكري باسم الجماعة، يحيى سريع، بالرد على أي تصعيد بـضربات أقوى وأشد.
موقف السعودية: تفضيل السلام مع الاستعداد للحرب
في المقابل، قال مسؤول سعودي لصحيفة نيويورك تايمز، شريطة عدم الكشف عن هويته وفقاً للبروتوكول الحكومي، إن المملكة تفضل السلام، لكنها مستعدة للحرب مع الحوثيين، وستعمل على حماية أمنها بكل الوسائل الضرورية. وأضاف المسؤول أن استمرار الهجمات الحوثية قد يدفع السعودية إلى تنفيذ غارات جوية لدعم الحكومة اليمنية والقوات المناهضة للحوثيين.
السعودية تتذكر كلفة حرب 2015
وتستند حسابات الرياض الحالية إلى تجربة تدخلها العسكري السابق في اليمن، الذي بدأ عام 2015 بهدف استعادة الحكومة المعترف بها دولياً بعد سيطرة الحوثيين على صنعاء بدعم إيراني. لكن الحرب استمرت نحو عقد، وأسهمت في ترسيخ سيطرة الحوثيين على شمال اليمن، وخلفت مئات الآلاف من القتلى جراء العنف والجوع والأمراض، ودفعت البلاد إلى حافة المجاعة.
وترى الصحيفة أن هذه التجربة تجعل القضاء الكامل على الحوثيين هدفاً غير واقعي في نظر كثير من المسؤولين والمراقبين. ولذلك قد يكون الهدف السعودي المحتمل إضعاف الجماعة واستخدام الضغط العسكري لإجبارها على تقديم تنازلات في إطار تسوية سياسية.
تبدل الحسابات بعد هدنة 2022
وبعد الهدنة التي توسطت فيها الأمم المتحدة عام 2022، اعتقد الحوثيون أنهم خرجوا منتصرين من الحرب، بينما اتجهت السعودية إلى الحوار بهدف احتواء الجماعة على حدودها الجنوبية. لكن الحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران أدت، وفقاً للصحيفة، إلى تغيير الحسابات الإقليمية، مع تحرك الحوثيين بصورة أكثر انخراطاً في الصراع.
ويرى محللون يمنيون تحدثوا إلى نيويورك تايمز أن الجماعة تسعى من جهة إلى مساندة إيران، ومن جهة أخرى إلى تعزيز سيطرتها داخل اليمن وتأمين نفوذها على الموارد النفطية، بعد سنوات من الجمود السياسي.
التصعيد يمتد إلى البحر الأحمر
وأثارت المواجهة مخاوف بشأن أسواق الطاقة، خصوصاً مع اضطرار السعودية إلى الاعتماد بدرجة أكبر على البحر الأحمر لتصدير نفطها، في ظل إغلاق إيران الفعلي لمضيق هرمز منذ بدء الحرب.
تحركات عسكرية ودبلوماسية
في هذا السياق، يرى أحمد ناجي، كبير المحللين للشأن اليمني في مجموعة الأزمات الدولية، أن السعودية حسنت مؤخراً التنسيق العسكري بين الفصائل المناهضة للحوثيين وبدأت تزويدها بأسلحة متطورة، وهو تطور وصفه بأنه لم يحدث على الإطلاق في الماضي.
وعلى المستوى الدبلوماسي، نقلت السفيرة السعودية لدى الولايات المتحدة، الأميرة ريما بنت بندر، مخاوف الرياض إلى واشنطن خلال لقاءات مع أعضاء في الكونغرس، برفقة السفيرة اليمنية جميلة رجاء. ودعت السفيرة رجاء لاحقاً، في مقال رأي نشرته صحيفة وول ستريت جورنال، الإدارة الأمريكية إلى مواصلة وتعزيز الدعم للجيش اليمني، وزيادة المساعدات الإنسانية، وتوسيع نطاق تصنيف الحوثيين كمنظمة إرهابية أجنبية.
تحذيرات من حرب أوسع
وعلى صعيد الداخل اليمني، تصاعدت الاشتباكات بين الحوثيين والقوات الحكومية المدعومة من السعودية. وقال المبعوث الأممي إلى اليمن، هانس غروندبرغ، في إحاطة أمام مجلس الأمن في 13 أغسطس/آب، إن اليمن يواجه خطراً جدياً بالعودة إلى صراع واسع النطاق، أكثر من أي وقت منذ هدنة 2022.
من جهتهم، قال الحوثيون إن هجماتهم ضربات استباقية لمنع هجوم بري يستعد له خصومهم. وقال محمد البخيتي، المسؤول السياسي في الجماعة، إن الحوثيين أصبحوا عملياً في حالة حرب مع السعودية، لكنه أضاف أنهم حريصون على إبقاء خياراتهم مفتوحة لمنع توسع الصراع.
معضلة مكلفة للرياض
ورغم الاستعدادات العسكرية، ترى نيويورك تايمز أن السعودية لديها أسباب قوية لتجنب حرب جديدة، إذ قد يستنزف الصراع مواردها المالية وقدراتها الدفاعية، كما يمكن أن يهدد خطط ولي العهد لتحويل المملكة إلى مركز عالمي للأعمال والسياحة.
وفي ظل هذه المعادلة، يخشى خبراء ودبلوماسيون من أن يؤدي أي تصعيد جديد إلى توسيع نطاق الحرب ودفع ملايين اليمنيين إلى أزمة إنسانية أعمق. وقال غروندبرغ في ختام إحاطته أمام مجلس الأمن:
لا يوجد طرف قادر على التحكم بمآلات التصعيد.. الأمر الوحيد المؤكد هو أن الشعب اليمني هو من سيدفع الثمن.
أسئلة شائعة حول التصعيد السعودي-الحوثي
ما هي أسباب التوتر الحالي بين السعودية والحوثيين؟
يعود التوتر الحالي إلى اتهام الحوثيين للسعودية بقصف مطار صنعاء، وهو ما نفته الرياض، تلا ذلك هجمات حوثية على سفن ومنشآت سعودية، وردود عسكرية سعودية محدودة.
هل تسعى السعودية إلى حرب شاملة ضد الحوثيين؟
وفقاً لتحليلات نيويورك تايمز، يبدو أن الرياض تفضل تجنب حرب شاملة، وتسعى بدلاً من ذلك إلى إضعاف الحوثيين ودفعهم نحو تسوية سياسية تحقق مصالح المملكة.
ما هي التداعيات المحتملة على أسواق الطاقة؟
قد تؤدي المواجهة إلى اضطرابات في إمدادات النفط، خاصة مع اعتماد السعودية على البحر الأحمر لتصدير نفطها في ظل إغلاق مضيق هرمز.