مباحثات مسقط: العالم يترقب نتائج الحوار الإيراني الأمريكي
تشهد العاصمة العُمانية مسقط خلال الساعات القادمة مباحثات غير مباشرة بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية، تركز على الملف النووي الإيراني ورفع العقوبات المفروضة على طهران.
يقود الوفد الإيراني وزير الخارجية عباس عراقجي، بينما يترأس الوفد الأمريكي ستيف ويتكوف، وسيجتمع الطرفان في غرفتين منفصلتين وفقاً لصيغة اللقاءات غير المباشرة التي تشرف عليها السلطنة.
اختيار مسقط: حكمة دبلوماسية ورؤية استراتيجية
لم يكن اختيار مسقط لاستضافة هذه المباحثات الحساسة قراراً عابراً، بل جاء نتيجة حسابات سياسية ودبلوماسية دقيقة تراكمت عبر سنوات من التجربة والثقة المتبادلة بين الأطراف.
تنظر إيران إلى مكان انعقاد المفاوضات بوصفه جزءاً لا يتجزأ من العملية التفاوضية نفسها، لما يحمله من دلالات رمزية ورسائل سياسية موجهة إلى الطرف المقابل وإلى الداخل الإيراني.
الحياد والسرية: ركائز أساسية
يأتي الحياد السياسي في مقدمة الاعتبارات التي تحكم اختيار مكان المفاوضات. فإيران تتحفظ على عقد مباحثات في دول تُعد حليفاً استراتيجياً للولايات المتحدة أو عضواً في تحالفات عسكرية غربية، إذ ترى طهران أن هذه الدول لا توفر توازناً حقيقياً في إدارة المفاوضات.
كما تُعد السرية عنصراً محورياً في المقاربة التفاوضية الإيرانية، حيث تعتمد طهران على القنوات الخلفية والمحادثات غير المعلنة لجس النبض وبناء تفاهمات أولية بعيداً عن الضغوط السياسية والإعلامية.
الاعتبارات الداخلية والرسائل السياسية
تحضر الاعتبارات الداخلية بقوة في حسابات طهران، فمكان التفاوض يجب ألا يُفسر داخل إيران على أنه تنازل رمزي أو خضوع لإملاءات خارجية. فالظهور في عاصمة غربية كبرى قد يُستخدم من قبل التيارات المتشددة كدليل ضعف سياسي.
إن اختيار دولة صغيرة ومحايدة يوحي بأن المفاوضات تُدار في إطار متكافئ، وهو ما يحمل رسالة سياسية مهمة لجميع الأطراف.
سجل عُماني حافل بالوساطة
لعبت سلطنة عُمان دوراً محورياً في تسهيل قنوات التواصل بين واشنطن وطهران خلال العقد الماضي، بما في ذلك المباحثات السرية التي سبقت التوصل إلى الاتفاق النووي عام 2015. هذا السجل عزز ثقة الطرفين بقدرة مسقط على إدارة الحوار بهدوء ومن دون ضجيج أو أجندات خفية.
إدارة الأزمة أم صناعة الاتفاقات؟
تحولت العاصمة العُمانية عملياً إلى أداة تفاوض تُستخدم لخفض سقف التوقعات وإدارة الإيقاع السياسي. فإيران، التي تدرك محدودية هامشها تحت وطأة العقوبات، لا تبدو في وارد السعي إلى اختراقات كبرى بقدر ما تهدف إلى إدارة الأزمة وتأجيل لحظة الحسم.
في المقابل، لا تمانع واشنطن هذا الإطار، طالما أنه يمنع التصعيد ويُبقي قنوات التواصل مفتوحة، فالإدارة الأمريكية تتعامل مع المسار العُماني بوصفه آلية احتواء أكثر منه مسار تسوية نهائية.
إن استمرار عقد المفاوضات في مسقط يعكس، بقدر ما يعكس حياد المكان وسريته، غياب إرادة سياسية للحسم في المرحلة الراهنة، مقابل رغبة مشتركة في إدارة الوقت ومنع الانفجار. فالمكان هنا ليس تفصيلاً جغرافياً، بل مؤشر واضح على طبيعة المسار: مسار إدارة الأزمة، لا صناعة الاتفاقات الكبرى.