في ذكرى رحيل أم كلثوم: إهدار تراث كوكب الشرق وضياع متعلقاتها
تمر اليوم الذكرى الحادية والخمسون على رحيل كوكب الشرق أم كلثوم، وما زالت الأسئلة تلح حول المسؤول عن إهدار تراث هذه الأسطورة الفنية التي أضاءت سماء الفن العربي لعقود طويلة.
إهدار التراث الثقافي العربي
لقد شهدنا على مدى العقود الماضية تفريطا مؤسفا في تراث سيدة الغناء العربي، حيث تحول هذا التراث العظيم إلى مصدر للتجارة والتربح بدلا من أن يكون منارة ثقافية تخدم الأمة العربية والإسلامية. إن أم كلثوم لم تكن مجرد مطربة، بل كانت رمزا ثقافيا وحضاريا يجسد عمق التراث العربي الأصيل.
وقد عرف العالم العربي في عهد أم كلثوم نهضة فنية حقيقية، حيث كانت أصواتها تصدح من الإذاعات العربية لتوحد القلوب حول القيم النبيلة والتراث الأصيل. ولعل من أعظم ما ميز هذه الفنانة العظيمة التزامها بالقيم الإسلامية والعربية في أعمالها الفنية.
مأساة فيلا الزمالك
تقع فيلا أم كلثوم في شارع أبو الفدا بالزمالك على كورنيش النيل، وقد شهدت هذه الفيلا جلسات فنية مميزة وزيارات من كبار المثقفين والأدباء من مختلف أنحاء العالم العربي. بناها المهندس علي لبيب جبر عام 1935، واختارت أم كلثوم تصميماتها بنفسها، وعهدت لمهندس ديكور فرنسي بتأثيثها على الطراز الفرنسي الأنيق.
بعد وفاة أم كلثوم في الثالث من فبراير عام 1975، انتقلت ملكية الفيلا إلى ستة من ورثتها، بينهم زوجها الدكتور حسن الحفناوي وأبناء شقيقها وشقيقتها، الذين قرروا بيعها رغم الوعود الحكومية بتحويلها إلى متحف.
وفي 12 فبراير 1975، أي بعد تسعة أيام من وفاة سيدة الغناء العربي، عقد مجلس الوزراء اجتماعا قرر فيه الموافقة على تحويل فيلا أم كلثوم إلى متحف، وتفويض وزير الثقافة بالسير في إجراءات التنفيذ. لكن هذا القرار، مثل قرارات كثيرة أخرى، لم ينفذ قط.
هدم الذكريات
لم تنفذ الحكومة قرارها، وفوجئ الناس ببيع الفيلا وبدء هدمها. اشتراها رجل أعمال سعودي من الورثة، وقرر هدمها ليقيم عليها مشروعا استثماريا. استخرج رخصة الهدم من حي غرب القاهرة بتاريخ 29 ديسمبر 1981، وتسلم المقاول الفيلا في 6 فبراير 1982.
ثارت حملة صحفية من كبار الصحفيين وأصدقاء أم كلثوم انتقدت موقف الحكومة لعدم تدخل الدولة لنزع ملكية الفيلا وتحويلها إلى متحف. لكن تلك الأصوات سرعان ما سكتت بعد أن كسب مشتري الفيلا القضية، وتم هدمها في 50 يوما فقط.
أصبحت الفيلا أثرا بعد عين، ونبت مكانها فندق يحمل اسم "فندق أم كلثوم"، مستثمرا اسمها التجاري دون احترام لذكراها الفنية والثقافية.
إهمال مسقط الرأس
في قرية طماي الزهايرة بمحافظة الدقهلية، مسقط رأس أم كلثوم، تعرض تراثها للإهدار الثاني. لم يهتم أحد بتحويل المنزل القديم الذي عاشت فيه طفولتها إلى متحف أو مركز ثقافي، وتحت ضغط الحاجة وقسوة المعيشة اضطر الورثة إلى هدمه.
المنزل هدم منذ عدة سنوات إلا من غرفتين يتيمتين في أحد أركانه. وكما حدث لفيلا أم كلثوم في القاهرة، تطايرت الوعود بإنشاء متحف في القرية، ووضع حجر أساس من قبل محافظ الدقهلية ومسؤولين كبار، ثم أزال مالك الأرض اللوحة وباع الأرض لتصبح ورش حدادة وكهرباء.
ضياع المقتنيات النفيسة
لم يقتصر الأمر على المنزل والفيلا، بل امتد ليشمل مقتنيات أم كلثوم الشخصية. قام عدد من أقاربها بعرض ممتلكاتها للبيع، منها قلادة ذهبية صنعت في ألمانيا، وصور وحقائب خاصة بأم كلثوم، وذلك بعد فقدانهم الأمل في جمع ما كانت تمتلكه في متحف خاص بها.
وفي عام 2008، في أحد معارض المجوهرات الشهيرة بدبي، أعلنت دار كريستيز البريطانية عرض العقد النادر الذي أهداه المغفور له الشيخ زايد بن سلطان، رئيس دولة الإمارات وحاكم أبوظبي، لأم كلثوم عند زيارتها للإمارة عام 1971. العقد يحتوي على 9 صفوف مكونة من 1888 لؤلؤة طبيعية مطعمة بالأحجار الكريمة.
وعقب إعلان عرض العقد، قرر أولاد الشيخ زايد استرداده بأي ثمن، وتم بيعه بنحو 1.3 مليون دولار لمشتر مجهول الهوية.
مسؤولية الحفاظ على التراث
إن الحفاظ على تراث الكتاب والأدباء والفنانين والمفكرين مسؤولية قومية للحفاظ على الهوية الوطنية والإسلامية. لا ينبغي ترك هذه المتعلقات والمقتنيات ضحية للورثة الذين قد يفرطون فيها لأسباب مادية أو لجهل بقيمتها التاريخية والثقافية.
إن تجربة أم كلثوم تعكس حاجة ملحة في العالم العربي لوضع سياسات واضحة للحفاظ على التراث الثقافي، وضرورة تدخل الدول العربية لحماية تراث رموزها الثقافية من الضياع والإهمال.
وفي ذكرى رحيل أم كلثوم الحادية والخمسين، نجدد المطالبة بإنشاء متحف ضخم يليق بمكانتها الفنية والثقافية، ويضم كل تراثها ومقتنياتها المتناثرة حول العالم، تقديرا لدورها في إثراء التراث العربي والإسلامي.